موسكو تقترب من حدود الناتو.. متى يتحول الردع إلى حرب؟
مع تصاعد وتيرة الاستهداف الروسي لمناطق قريبة من حدود حلف شمال الأطلسي، تواجه أوروبا معادلة شديدة التعقيد: تعزيز الردع في مواجهة موسكو من دون الانزلاق إلى حرب مباشرة، مع استمرار الاعتماد على المظلة النووية الأميركية بوصفها الضامن الأساسي لتماسك الحلف.
وفي حديثه إلى “التاسعة” على سكاي نيوز عربية، يرى الباحث السياسي هلال العبيدي أن المواجهة لا تتجه إلى حسم عسكري، بل إلى تفاهمات تفرضها الخسائر المتراكمة وقدرة كل طرف على إلحاق الأذى بالآخر.
هجمات ضمن نمط متصاعد
يقول العبيدي إن الحادثة الأخيرة قرب الحدود البولندية لا يمكن التعامل معها باعتبارها واقعة منفصلة، بل تأتي ضمن نمط متصاعد بدأ يتضح مع اقتراب مرور عام على الهجمات الكبرى التي استهدفت بولندا بما بين 19 و21 طائرة مسيّرة انطلقت من حدود بيلاروسيا وأوكرانيا.
وأوضح أن تلك الهجمات أدت إلى إطلاق عملية “الحارس الشرقي”، التي لا تزال مستمرة بوصفها إطارا للتنسيق بين دول الناتو في مواجهة التهديدات القادمة من الجبهة الشرقية.
لكن المعضلة، وفق العبيدي، تكمن في طبيعة هذه الهجمات الهجينة، إذ لا ترقى إلى مستوى إعلان حرب أو هجوم مباشر يسمح بتفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تلزم الدول الأعضاء بالرد الجماعي.
ويرى أن هذا الوضع تسبب في خلافات داخل الحلف والاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع تهديدات تقع في المنطقة الفاصلة بين الحوادث الأمنية والهجمات العسكرية المباشرة.
3 مسارات أوروبية
رغم صعوبة تفعيل مبدأ الدفاع المشترك، يشير العبيدي إلى تحول نوعي في الاستجابة الأوروبية عبر 3 مسارات متوازية، تبدأ بزيادة الإنفاق العسكري، ثم تنسيق جهود التصدي للمسيّرات بعدما كانت كل دولة تتعامل معها منفردة، وصولا إلى تطوير منظومات جديدة لمكافحتها.
ويلفت إلى الفارق الكبير بين الكلفة المنخفضة للطائرات المسيرة والكلفة الباهظة لمنظومات الدفاع الجوي المستخدمة في إسقاطها، مؤكدا أن تصاعد الهجمات الهجينة يؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة الدعم الأوروبي لأوكرانيا ورفع الإنفاق العسكري.
استبعاد الهجوم البري
وينقل العبيدي عن تقارير استخبارية استبعادها شن روسيا هجوما بريا مباشرا، خصوصا على جبهة لاتفيا، لأن عملية من هذا النوع قد تؤدي إلى فصل دول البلطيق عبر ممر سوالكي الممتد إلى كالينينغراد الروسية، ما يفتح الباب أمام تفعيل المادة الخامسة.
ويضيف أن الولايات المتحدة أبلغت موسكو، خلال زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إليها قبل أسابيع، بالتزامها المظلة النووية تجاه دول الاتحاد الأوروبي والناتو.
ويوضح أن اعتماد أوروبا على واشنطن لا يشمل جميع تفاصيل الحرب، بل يتركز بصورة أساسية على الردع النووي، الذي يمثل العمود الفقري للحلف. فدول الاتحاد الأوروبي، بحسب العبيدي، تدرك استحالة الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا من دون قوة ردع أميركية تقابل السلاح النووي الروسي.
الطاقة تضغط على موسكو
ويرى العبيدي أن الضربات الأوكرانية في عمق الأراضي الروسية، خصوصا تلك التي استهدفت مصافي النفط ومحطات الكهرباء، ألحقت أضرارا كبيرة بموسكو، ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مطالبة كييف بوقف استهداف قطاع الطاقة الروسي.
ويشبّه أهمية هذا القطاع لروسيا بأهمية الأسواق الكبرى، مثل شركة أمازون، للاقتصاد الأميركي، معتبرا أن الضربات دفعت موسكو إلى التفكير في تقديم تنازلات.
لكنه يشدد على أن الحرب، بعد خمس سنوات من الجمود، لن تُحسم عسكريا، بل ستنتهي عبر معاهدة سلام. وفي المقابل، يرى أن القرار الروسي لا يزال بيد الرئيس فلاديمير بوتين، الذي لا يبدو مستعدا لإنهاء الحرب من دون تقديم نفسه منتصرا.
ويخلص العبيدي إلى أن جميع الأطراف خرجت متضررة؛ إذ خسرت روسيا أرواحا وموارد وأسواقا، في مقدمتها السوق الأوروبية، بينما تكبدت أوروبا خسائر اقتصادية كبيرة بعد فقدان مصادر الطاقة الرخيصة، بالتزامن مع تفاقم أزماتها الاقتصادية.
المصدر – سكاي نيوز