مخزون حزب الله ينفد.. وطريق طهران-دمشق-بيروت مُقفلة
يتواصل التصعيد الإسرائيلي في لبنان متجاوزاً ما تُسمّيه إسرائيل "المنطقة الصّفراء" التي تحتلّها في الجنوب، ليشمل بلداتٍ شمال نهر اللّيطاني.
فلأول مرّة منذ الاتّفاق على وقف إطلاق النار، أغار سلاح الجوّ الإسرائيلي أمس الاثنين على بلدة جنتا في البقاع شرقي البلاد، بالتزامن مع تنفيذ المقاتلات الإسرائيلية سلسلة غارات طالت بلدات في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل.
في المقابل، اعتمد حزب الله سياسة “الردّ على الردّ”، واستهدف في معظم عملياته الأخيرة تجمّعات لجنود إسرائيليين داخل الأراضي الجنوبية، مستخدماً المسيّرات الانقضاضية.
فيما لاحظ مراقبون أن عمليات حزب الله باتت تتركّز الآن في قضاء النبطية لأنها تقع مقابل منطقة بلدة الطيّبة التي يحتلها الجيش الإسرائيلي، لذلك فإن الغارات الإسرائيلية تتركّز على مناطق قلعة الشقيف ويحمر وكفرتبنيت، والتي تبعد (خط نار) عن الطيبة من ٢ إلى ٣ كيلومترات، حيث تصل المسيّرات الانقضاضية إلى نقطة الطيبة سريعاً.
إلى جانب منطقة النبطية، تركّزت عمليات حزب الله أيضاً على المنطقة المقابلة لوادي الحجير بقضاء بنت جبيل، حيث هناك تمركز لقوات إسرائيلية في القنطرة وأطراف حولا وميس الجبل، لذلك يستهدف سلاح الجوّ الإسرائيلي مناطق مقابلة للوادي منها خربة سلم وتولين والصوّانة ومحيط تبنين والسلطانية.
وفي السياق، أكد مصدر عسكري للعربية.نت/الحدث.نت أن عمليات حزب الله باتت من خارج ما يُسمّى “الخط الأصفر”، مضيفاً أن “قرى قضاء النبطية تشهد نزوحاً كبيراً، لأن الغارات الإسرائيلية تستهدفها بشكل مكثّف”.
طريق طهران-دمشق-بيروت
كما أشار إلى “أن تراجع عمليات حزب الله في الجنوب مردّه لعدة أسباب، منها فقدانه لحرية المناورة كما في السابق، بالإضافة إلى الإجراءات التي يقوم بها الجيش اللبناني، لاسيما لجهة إقامة الحواجز وتكثيف الدوريات والتي ساهمت في توقّف حركة نقل أسلحة وذخائر بين المناطق اللبنانية”.
أما السبب الرئيسي لتراجع عمليات الحزب جنوباً بحسب المصدر العسكري، فيكمن في فقدانه خط الإمداد الأساسي الذي كان يعتمد عليه للحصول على الذخيرة.
“مخزون حزب الله لم يجدد”
فقد أوضح المصدر أن طريق طهران-دمشق-بيروت التي كانت شرياناً حيوياً، أقفلت اليوم، ما يعني أن مخزون الحزب من الذخيرة لم “يُجدد”.
كما لفت إلى “أن حزب الله بات يعتمد استراتيجية تقنين الاستهدافات، إن لجهة إطلاق المسيرات أو الصواريخ، وذلك ربما لحسابات مرتبطة بمدة الهدنة والعودة إلى الحرب”.
“مجموعات انتحارية”
وفي مقابل “التقنين” بالرد، اعتمد حزب الله بحسب مراقبين استراتيجية “العمل الانتحاري”، أي العودة إلى العمل العسكري التقليدي الذي كان يعتمده في ثمانينيات القرن الماضي، باستخدام مجموعات انتحارية لمنع استقرار القوات الاسرائيلية في المناطق التي يحتلّها بجنوب لبنان.
لكن المصدر العسكري اعتبر أن “وسائل الحرب تتغيّر، وما كان يجري في الثمانينات لم يعد يصلح اليوم. فإسرائيل اليوم تمتلك طائرات تجسس ومسيّرات لا تفارق الأجواء اللبنانية وأجهزة تعقّب متطورة. بالإضافة إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد أي تحرّكات”.
ترسانة الصواريخ خارج الخدمة
إلى ذلك، أوضح الخبير العسكري العميد المتقاعد فادي داوود أن “صواريخ حزب الله المتوسطة والبعيدة المدى أصبحت خارج الخدمة الفعلية، بسبب فقدان البنية التحتية اللازمة للإطلاق وتطور قدرات الرصد الإسرائيلي، بما يشمل الطائرات المسيّرة والأقمار الاصطناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي وحتى الاعتراضات بالليزر”.
كما أضاف في تصريحات للعربية.نت/تاحدث.نت أن “الحرب الأخيرة أدت إلى تراجع كبير في ترسانة صواريخ حزب الله، والتقديرات الأمنية الإسرائيلية الحديثة تشير إلى أن الترسانة المتبقية قد تكون في حدود 20 إلى 25 ألف صاروخ وقذيفة، معظمها من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى”.
تدمير منشآت حزب الله
كذلك لفت إلى “أن التقارير تتحدّث عن تدمير أكثر من 90% من منشآت الحزب بجنوب نهر الليطاني، ما دفع الجيش اللبناني إلى السيطرة على ما تبقى منها. كما أن مناطق في البقاع تعرّضت للقصف، مما شلّ قدرة الحزب على المناورة أو إطلاق الصواريخ دون تعرّضها للكشف أو الضرب الفوري.
وأشار داوود إلى “أن حزب الله يواجه صعوبات هيكلية خطيرة، أبرزها أزمة قيادة مطولة إلى جانب ضعف كبير في صفوف قيادته المتوسطة. ففي أعقاب عمليات التصفية التي تعرضت لها المنظمة خلال الحرب، والتي أثرت على قيادتها السياسية والعسكرية، برز فراغ قيادي أدى إلى تأجيج الخلافات الداخلية. “. وتابع “مقاتلو حزب الله اُنهكوا في حرب 2024 وعملية البيجرز والملاحقات والاغتيالات التي قامت بها إسرائيل على مدى 15 شهراً، مما أضعف القدرة القتالية للحزب وتراجع الحشد اللازم للقيام بالعمليات”.
كما لفت إلى “انقطاع خطوط الإمداد وتراجع قدرة الحزب على تهريب الأسلحة عبر سوريا، حيث أصبحت المعابر البرية والبحرية تحت رقابة لصيقة، يُضاف إلى ذلك إضعاف الداعم الإيراني إثر الضربات التي تعرّضت لها إيران أخيراً”.
“hit and run”
وختم موضحا أن “الحزب لا يزال موجوداً ويقاتل، لكنه تحوّل من منظومة هجومية شاملة ذات صواريخ دقيقة بعيدة المدى إلى تكتيك الضرب والاختباء hit and run بالمسيّرات والصواريخ القصيرة، وهو ما يتناسب مع قدراته الحالية المحدودة”.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتبر أمس الاثنين أن الصواريخ والمسيّرات في حوزة حزب الله تتطلب مواصلة العمل العسكري في لبنان، رغم اتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين. وأشار إلى أن حزب الله “لديه تقريباً 10 في المئة من الصواريخ التي كانت في حوزته عند اندلاع الحرب. إلا أنها لا تزال مصدر قلق لسكان الشمال”، في إشارة إلى المناطق الإسرائيلية المحاذية للحدود مع لبنان.
كما جدد تمسك إسرائيل بما قال إنه “حقها” في استمرار عملياتها في الداخل اللبناني بناءً على الاتفاق “مع الولايات المتحدة والحكومة اللبنانية”، بحسب تعبيره.
يذكر أن اتفاق وقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في 17 أبريل الحالي بعد جولة مفاوضات بين سفيري إسرائيل ولبنان في واشنطن. وبينما كان من المقرر أن يمتد عشرة أيام، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 23 منه، تمديده لثلاثة أسابيع إضافية، وذلك بعد جولة محادثات ثانية عُقدت في البيت الأبيض. وبموجب نص الاتفاق الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية، تحتفظ إسرائيل بحرية اتخاذ “كافة التدابير الضرورية للدفاع عن نفسها في أي وقت بمواجهة الهجمات المخطط لها والوشيكة والمتواصلة”.
المصدر – العربية