الاختراق القادم قد لا يبدأ من “هاكر”.. بل من ضغطة على رابط

مختصون: حماية الأمن السيبراني باتت ركيزة للأمن القومي والاقتصادي في ظل الطفرة التكنولوجية الحالية

لا يزال هناك انطباع شائع ومسيطر على عقول العديد من الأشخاص، يتجسد في أن الاختراق الرقمي يبدأ فور جلوس “هاكر” أمام شاشة داكنة ليكتب أوامر برمجية معقدة قبل تسلله إلى مؤسسة، أو بنك، أو قطاع حكومي، إلا أن الواقع الغائب أضحى مغايراً تماماً.

وما هو شائع اليوم أن غالبية الهجمات السيبرانية الضخمة التي شهدتها الساحة العالمية في الآونة الأخيرة لم تكن انطلاقتها عبر برنامج خبيث بالغ التعقيد، بل بدأت عبر بريد إلكتروني مفبرك، أو رابط مضلل، أو كلمة سر ضعيفة، أو موظف يفتقر إلى التدريب الكافي على قواعد وأساسيات الأمن الرقمي.

فهل يستحيل أن تكون ضربة الاختراق المقبلة قادمة من “هاكر”.. وتكون بدايتها موظفاً نقر على رابط؟ مثلاً!..

في هذا الصدد، يشرح الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت” أن العالم يخوض حالياً حقبة جديدة من الصراعات، لم تعد القوة العسكرية المفردة فيها هي المعيار الوحيد للتفوق، بل أضحت القدرة على حماية البيانات، وتأمين البنية التحتية الرقمية، وتوفير الحماية للفضاء السيبراني، من أبرز ركائز الأمن القومي والاقتصاد المالي للدول.

ثروة البيانات

وأضاف أنه في زمننا الحاضر، تتجاوز البيانات كونها معلومات مخزنة داخل السيرفرات الإلكترونية، لتتحول إلى ثروة استراتيجية، ومورد اقتصادي أصيل، وسلاح قادر على قلب موازين القوى بين القوى العظمى والمؤسسات.

ويستكمل حديثه موضحاً بالقول إنه مع الطفرة المتسارعة وغير المسبوقة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence (AI)، والحلول السحابية Cloud Computing، وإنترنت الأشياء Internet of Things (IoT)، اتسعت في المقابل نطاقات الرقعة المستهدفة Attack Surface التي يتسلل منها مجرمو الشبكة العنكبوتية.

ثغرات متتابعة

وأوضح أنه كل خدمة رقمية مستحدثة، وكل منصة سحابية، وكل جهاز يرتبط بالشبكة، قد يتحول إلى ثغرة يستغلها المهاجمون ما لم تُشيَّد المنظومة استناداً إلى مبادئ الأمان المدمج بالتصميم Security by Design، وهو ما يعلل التصاعد الكبير في تعقيدات الهجمات الرقمية، والتي لم تعد تهدف إلى مجرد إيقاف الأنظمة، بل تطمح إلى سرقة البيانات، وابتزاز الهيئات، وتعطيل المرافق الحيوية، والضغط على الاقتصادات، بل وحتى إضعاف الثقة في أجهزة الدولة.

وينوه الدكتور محسن رمضان إلى أنه بمتابعة الواقع العالمي للأمن السيبراني، يتضح أن المؤسسات باتت تعرض نفسها لطيف واسع من المخاطر، تشمل تسريب البيانات Data Breach، حيث يستطيع المهاجم الوصول إلى قواعد بيانات تتضمن بيانات مالية، أو صحية، أو شخصية، أو أسراراً تجارية، لتقفز هذه البيانات وتصبح بضاعة تباع في أسواق الشبكة المظلمة Dark Web أو تُستغل في عمليات الابتزاز الرقمي.

وقال إن خطورة هذا الأسلوب تتضاعف من الهجمات كون تبعاته لا تقف عند الخسارة المادية فحسب، بل تمتد لتطال اهتزاز الثقة، وتراجع السمعة، وتكبد غرامات تنظيمية وقانونية قد تفوق كلفة علاج الاختراق نفسه.

وتابع موضحاً: “ولا تقل خطورة عن الأسلوب السابق الهجمات الموجهة لتطبيقات الويب، والتي أضحت الهيكل الرئيسي للخدمات الرقمية المعاصرة فثغرات مثل حقن SQL Injection، والبرمجة العابرة للمواقع Cross-Site Scripting (XSS)، وتزوير الطلبات عبر المولدات Server-Side Request Forgery (SSRF)، وتنفيذ البرمجيات عن بُعد Remote Code Execution (RCE)، ليست مجرد مصطلحات تقنية يتداولها المختصون، بل هي منافذ فعلية تتيح للمهاجم بلوغ قواعد البيانات، وتمرير الأوامر على الخوادم، والسيطرة التامة على التطبيقات في حال غياب معايير البرمجة الآمنة واختبارات التسلل الدورية”.

تكرار كلمة المرور

وأردف خبير الذكاء الاصطناعي موضحاً أن الخطر الكامن يكمن في أن المهاجمين لم يعودوا ملزمين بفك كلمات المرور بالطرق التقليدية القديمة، فهجمات حشو بيانات الاعتماد Credential Stuffing تعتمد على بيانات مسربة سلفاً من اختراقات سابقة، مستغلة عادة شائعة لدى أفراد كثر تتمثل في كثرة تكرار كلمة المرور ذاتها عبر عدة منصات، وهنا يغدو إهمال تفعيل المصادقة المتعددة العوامل Multi-Factor Authentication (MFA) بمثابة دعوة صريحة للمهاجمين للولوج إلى الحسابات دون مشقة.

من ناحيته، يرى اللواء خالد حمدي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق لقطاع الإعلام والعلاقات، في تصريحات لـ”العربية.نت ” و”الحدث.نت”، أن أشد التهديدات خطورة على الإطلاق هي التهديدات المتقدمة المستمرة Advanced Persistent Threats (APT)، وهي هجمات لا ترتكز على السرعة بقدر ارتكازها على الصبر والمطاولة. إذ يتسلل المهاجم إلى الشبكة، ويمكث فيها لأزمنة ممتدة، يجمع المعطيات، ويرصد الأنظمة، ويدور بين الخوادم بسكون، حتى تحين اللحظة الحاسمة لتحقيق مأربه. وغالباً ما تقترن هذه العمليات بجواسيس الفضاء الرقمي، واستهداف المؤسسات السيادية، والبنى التحتية الحساسة، والشركات الكبرى.

وتابع موضحاً: “من بين أقسى الدروس التي استوعبها العالم خلال الأعوام المنصرمة، أن المؤسسة قد لا تُخترق جراء ضعف في دفاعاتها الذاتية، بل بسبب خلل لدى أحد الموردين المتصلين بها مشيراً إلى أن هجمات سلاسل التوريد Supply Chain Attack أثبتت أن اختراق شركة برمجيات واحدة قد يعبد الطريق أمام المخترق للوصول إلى آلاف المؤسسات الاعتمادية على منتجاتها أو خدماتها”.

وقال إن تقييم الأمن السيبراني للموردين لم يعد خياراً إدارياً ثانوياً، بل تحول إلى شرط جوهري من متطلبات الحوكمة الرقمية وإدارة المخاطر.

ويختتم كلماته قائلاً: “في عالم أضحت فيه الهجمات الإلكترونية تُقاد بخوارزميات ذكية وتُنفذ في ثوانٍ خاطفة، فإن المؤسسة التي تؤجل استثماراتها في مجال الأمن السيبراني لا توفر نفقاتها، بل تؤجل فقط موعد أزمتها المقبلة”، قائلاً إن “الهجوم السيبراني لم يعد فرضية بعيدة، بل واقعاً يتربص بأول نقطة ضعف”.

المصدر – العربية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى